12 Mar 2011

حتى تفهموا الشباب - سلسلة مقالات

مساء الخير على الجيل الكبير، انتم الخير و البركة. أنا اسمى أحمد و إسمى الحركى بهظ، واحد من الشباب اللى طلعوا يوم 25؛ شاب و بس لا قيادة و لا يحزنون. أنا كاتب مجموعة من المقالات علشان الجيل اللى أكبر مننا بيتسائل دائما عن الطريقة التى يفكر بها الشباب، فدى محاولة شخصية جدا لتوصيل الطريقة التى يعمل و يفكر بها الشباب.

سأحاول ان افعل هذا بلغتكم و ليس بلغتنا – فرغم ان كلاهما عربى إلا إن لغتنا تختلف فى أسلوبها عن لغتكم - المقال ده محاوله لبدء حوار صحى بين الأجيال المصرية، بما أننا بدأنا صفحة جديدة و نبنى وطن جديد، سأقوم بتقسيم الموضوع على عدد من المقالات التى أرجو فيها ان تحيطوا علما بكيف يفكر الشباب، و لماذا.

قل عصر المعرفه و لا تقل عصر المعلومات

نموذج التراكم الأسى لقدرات الحوسبة فى قانون مور بداية من عام 1900 الى 2008 

لكى تفهم كيف يفكر الشباب، يجب أولا أن تدرك العصر الذى نعيشه. فنحن الان نعيش ما يسمى بعصر المعرفة. فالبشريه بدأت بالعصر الحجرى و استمر الى الاف السنين، و بعدها العصر الزراعى و استمر هو الاخر الاف السنين ايضا، ثم الثورة الصناعية من القرن السادس عشر الى القرن التاسع عشر، و تلاها عصر المعلومات (و لم يستمر أكثر من مئه عام )... و خلافا لما قد تظن فنحن الأن فى عصر جديد بدأ منذ حوالى خمس الى عشر سنوات و هو عصر المعرفة.

و شتان الفارق بين عصر المعلومات و عصر المعرفه، ففى عصر المعلومات كنا نهتم بالمعلومات و كيف نحصل عليها... و من هنا بدأ الحاسب الالى و شبكة الانترنت تلعب دورا كبيرا فى هذا المجال حتى أستطعنا ان نجعل جميع المعلومات متوفرة. فبدأ عصر المعرفه الذى بدأ ينصب أهتمامه بكيفية تنظيم المعلومات التى حصلنا عليها لأنتاج معرفه جديدة.

فالسمه الاساسية لعصر المعرفه هى التراكم الأسى للمعلومات، بمعنى أن المعلومات تتضاعف سنويا، و التضاعف كمبدأ يختلف عن التراكم، فعملية التضاعف تصل مع الزمن الى أرقام لا نهائية فى كبرها. هل سمعت قبلا عن العالم الذى طلب من الملك ان يعطيه خردل أرز عى احد مربعات لوحه الشطرنج و يضاعفها له فى المربع الذى يليه ثم يضاعفها له فى المربع الذى يليه و هكذا حتى تنتهى لوحه اللعب ... استهزء الملك بالعالم و بطلبه و كانت النتيجه انه أفلس و لم يسدد دين العالم، فالملك كان عليه ان يسدد ما مقداره (4,611,686,018,427,387,904)- (أربعه كونتيليون خردل أرز- و هو أربعه و بجانبها 18 صفر) فى المربع قبل الأخير ثم يقوم بمضاعفه هذا الرقم فى المربع الأخير.

هل تدرك الان يا اخى الأكبر قوه التراكم الأسى للاشياء، نفس الشئ يحدث للمعلومات الان، ففى عام 2010 فقط تم انتاج معلومات جديده حول العالم تساوى حجم الانتاج البشرى بالكامل منذ بدء عمليه تدوين التاريخ حتى نهايه عام 2009 ، و نحن الان فى عام 2011 من المتوقع ان يستمر الانتاج المعرفى البشرى فى التضاعف فنحصل فى نهايه العام على حجم معرفه يساوى كل حجم المعرفه منذ بدايه التاريخ و حتى نهايه العام 2010 ... بمعنى ان لو كان عدد الكتب التى تم كتابتها منذ بدء التاريخ حتى نهايه 2009 هو 100 كتاب ... ففى 2010 وحدها تم انتاج 100 كتاب جديد ... و من المتوقع ان يتم انتاج 200 كتاب فى 2011 وحدها.

فى عصر المعرفه لم يعد انتاج المعلومه على قدر أهميه الوصول اليها، فغالبا المعلومه موجوده و لكن المهم هو كيف نصل اليها ، و هذا ما تقوم شبكه الأنترنت بعمله بكفائه.

هذه هى السمه الرئيسيه للعصر الذى نعيشه –عصر المعرفه- فبالتالى استاذ الجامعه الذى لا يطالع المستجدات من الانتاج العلمى الجديد سيكون مثل طالب الابتدائى امام طالبه الذى يتابع العلوم الحديثه اولا بأول .. و هنا يكمن الفارق فالشباب و إن كان لا يدرك هذا التنظير و لكنه يجيد استخدامه .. فهو متابع جيد لكل ما يحدث حوله من مستجدات و يتنظرها بشغف و هو ما يجعله بالتأكيد يتفوق على استاذه فى كثير من الاحيان.

التراكم الأسى للمعرفه يجعل التنبؤ بمستقبل العمل اشبه بالمشى فى شوارع اليابان لاول مره و بدون خريطة للبحث عن محل قصب مصرى، و هذا ما يجعل النظر فى السياسيات المكونه للتعليم ضروره ملحه، فمثلا لك ان تعلم ان 70% من الوظائف الموجودة فى الولايات المتحدة فى عام 2010 لم تكن موجودة فى عام 2006 .. بمعنى انه كان يتعين على المدرسين فى الجامعات ان يعدوا الطلبة لنوعية وظائف لم تكن موجوده وقت دخولهم الجامعه !!!


هذه السمات هى التى تشكل فى عقل الشباب النهم للمعرفه ... فهم يدركون انه و قبل اى شئ مفتاح النجاح فى الحياة هو مقدار ما تمتلكه من متابعه جيدة للتطور من حولك و قدرتك على الوصول السريع للمعلومات و لا يهم إمتلاكها.. فلا يهم اليوم ان كنت محترفا فى لغه البيزك (لغه برمجة للحاسب الالى) التى قامت انظمه التشغيل على اكتافها .. بل المهم هو ان تعرف كيف تبرمج الأي فون لكى تجد عملا ... الشباب يدرك ان مفتاح التقدم هو المعرفه و فى هذا لا يختلف عن الجيل الاكبر منه و لكنه فقط يستخدم ادوات اكثر ذكاء.

البقاء للأصدق

هل لاحظت أن الشباب فى خلال ثوره 25 يناير أتخذوا قرارات صائبة كثيرة و فى توقيتات غايه فى الروعه، فمثلا لم يتم الزحف الى مبنى الرئاسه إلا فى التوقيت الذى يجعل هذا الزحف رمزيا و يجنب الزاحفون الخطر ، و عندما تهاوت الشرطه قام الشباب فى غضون دقائق بحماية المتحف المصرى ضاربين اروع صور الولاء و الانتماء و التحضر ، هل لاحظت انك لا تستطيع ان تأخذ على الجميع غلطة قاموا بها او قرار تم إتخاذه تستطيع لومهم عليه .

هذا هو نتاج ما أسميه بالعقل الجمعى للشبكة الأجتماعية، لقد واجهه النظام المصرى شخصا إعتباريا أذكى بكثير و أقوى بكثير منه و ذكاء هذا الشخص الأعتبارى هو مجموع ذكاء كل الاشخاص المشاركين فى الثوره و قوته هى مجموع قوتهم جميعا لذا كان من المحتم ان ينتصر هذا العملاق الاعزل على النظام أيا كانت قوته و السؤال هو كيف يفكر هذاالكيان؟؟
يفكر هذا الكيان بعدد من الاليات و هى (1) الانتخاب الطبيعى للأفكار (2) نظرية قطيع من القاده (3) و خاصيه المعنى الأسطورى للقضايا

(1) الانتخاب الطبيعى للأفكار
بالضبط مثل خلايا (الدى ان ايه) يقوم كل فرد فى الشبكه الاجتماعيه بأفراز أفكار و يقوم الأفراد الاخرون بتنقيه هذه الأفكار لاختيار النافع منها, مثلا عندما تم اغتيال الشهيد خالد سعيد قامت على الفور حركه تعاطف شديده مع الشاب و على اثرها قامت على الفيس بوك مجموعات كثيرة للتعاطف مع خالد (انا اسمى خالد سعيد ) و(كلنا خالد سعيد) و مجموعات أخرى ... ألية الأنتخاب الطبيعى للافكار هى التى قامت بأختبار اصلح مجموعة و هى المجموعة التى ادارها وائل غنيم لكى تستمر و تصبح الأكثر إنتشارا... هذا بالطبع نتيجه مباشرة لامتلاك وائل غنيم لأدوات التعامل مع الانترنت و للغه الخطاب التى يتوافق عليها المستمعون

(2) نظريه قطيع من القادة
نظرية القطيع هى ان تنساق وراء القطيع بدون إدراك و لكن فى إطار الشبكات الأجتماعية يتجه القطيع الى الامام مسلحا بوعى بالأهداف و الرؤى الاكبر للحركة ، فالجميع قادة و الجميع لا يتوانى على التعبير عن رأيه و الدخول فى نقاشات مع الأخرين لتصحيح الاراء، لذلك تجد أن أكثر الصفحات إنتشارا على الانترنت هى التى يستطيع الجميع التعبير عن رأيه فيها و بدون رقابة و تجد ان من يضع رقابة على المحتوى تقل عدد المشاركات فيه ... نظرية قطيع من القاده هى ان راى المجموع سليم حتى لو أختلفت معه فى البداية و لكن سرعان ما تجد من يقنعك بالرأى الذى تتبناه الجماعة و بالتالى تنساق وراء القطيع و انت مقتنع... و لهذا السبب تصبح الحركات الاجتماعية أقوى على الشبكه لانها إذا مرت بعمليه الانتخاب الطبيعى للافكار و نجحت و تشكل ورائها قطيع من القادة تصبح أقوى بكثير و تصبح ذات تأثير و يصبح حتما لها ان تخرج خارج الشبكة لتلتحم بالعالم الواقعى

(3) المعنى الأسطورى للقضايا
الشباب من كثره ما شاهدوا أفلام الكارتون و مارسوا العاب الفيديو جيم و هم صغار أصبحوا متشبعين بفكرة المعنى الاسطورى للقضايا .. فالكل يبحث له عن مكان فى التاريخ و الكل يبحث عن قضية ذات بعد أسطورى تجعل لما يفعله ذا قيمة، و هو ما يوفر طاقة لاحصر لها ... فإكساب أى قضية معنى أسطورى يجعل المدافعين عنها ذوو حماسة لا تفتر و تعطيهم عقيدة أشبه بعقيدة الصحابة فى صدر الاسلام ... لذلك تجدهم أكثر إنتشارا و أعلى تأثيرا فى الشبكة و منها الى العالم الواقعى.
إذا كنت مشاركا فى هذا الكيان فأنت تدرك انه حتى تنجح فكرتك فكل ما تملكه هو لحظة إطلاق الفكرة، الشرارة الاولى منها ... و الشرارة الاولى لها خصائص يجب ان تدركها ... أولا يجب أن تكون صادقا و مقتنعا بما تقول ... فانت تعلم ان هذا الكيان أقوى و أذكى منك فإن لم تستطع إقناع نفسك بقوة فكرتك .. فلن تستطيع أن تقنع بها أحدا او تجلب لها تعاطفا... ثانيا يجب أن تكون بليغا ... و بالبلاغه هنا أعنى الأختصار بدون الاخلال بالمعنى ... فمع الالاف من المشاركات يوميا يميل المتصفحون الى الاستعراض و تجاهل ما ليس له قيمه .. ،لكى تمر فكرتك عبر الماكينة بنجاح يجب ان تكون بليغة و صادقة و من القلب حتى تصل الى القلب ... و أبلغ دليل على ذلك هو التقنيات المستخدمة للنشر فبعد ان اتاحت المدونات مجالا لنشر المقالات .. تقلصت المساحه فى تويتر لتصبح فقط عنوان... فكل ما تملكه هو 140 حرف و هو ما عبر عنه الدكتور خالد منتصر بقوله "شباب أنجز و هات من الاخر".

الابطال المنتصرون

عانى الادب المصرى لفترة طويلة من فكرة البطل المهزوم، فكل ابطال نجيب محفوظ و علاء الأسوانى و مكاوى سعيد هم نوعيه من الأبطال المهزومة المدحورة نتيجه ضغوط مجتمعهم و نتيجه لغياب الحلم، لم يعطنا الادب العربى فى الفتره مابعد ثورة-52 نموذجا للبطل المنتصر، ربما كان هذا إنعكاسا لغياب الحلم عند الكتاب المصريين الذين عاصروا موت حلم الثورة تحت أقدام العسكر فأستسلموا لليأس و طفحت كتاباتهم بهذا اليأس و الواقعية، هذه الواقعية الشديدة هى التى فصلت المجتمع الادبى عن الشارع ،فربما تكون وظيفه الأدب أن يكون مراة للمجتمع و لكنه أيضا مطالب بتوفير الحلم .
المهم أن الشارع الشبابى أستجاب لنوعية مغايرة من الادب رفض المجتمع الأدبى فى مصر الاعتراف بها ، نموذج البطل المقدام الذى يقهر خوفه و يواجهه، نموذج ادهم صبرى و المقدم نور الدين محمود و الطبيب رفعت إسماعيل ... ربما أكون مبالغا و لكن ما قدمه نبيل فاروق و أحمد خالد توفيق فى إطار المؤسسة العربية للنشر و التوزيع من نماذج ادبيه لفكره البطل المغوار هو ما الهم الشباب و ربما يكون هو الوقود الاول المبكر للثورة الشبابية.

فللغرابه طوال فتره التسعينيات دأب نبيل فاروق و احمد خالد توفيق فى ترسيخ فكرة مغايرة عن نوعيه البطل لم تلق قبولا فى أوساط الشارع الادبى و لكن تلقفها الشباب بكل ترحاب و حب ، وهذا ما جعلهم يتعلمون الحلم وسط العفن و يتذوقون الانتصار وسط إنهزامات الحياة الواقعية ثم جاء الانترنت فوفر لهم البيئة المناسبة التى يمكنهم أن يعيشوا فيها إنتصارات إفتراضية و جدالات رقمية كانت بمثابة تدريب مبكر للحظة حتما كانت ستأتى

طبعا بجانب هذا النوع الادبى المغاير كان هناك الافلام الامريكية التى تقدم صورة رائعة لفكرة السوبر مان .. سواء خيالية او أقرب للواقعية فالشباب تربى على أفلام الأكشن التى أهتمت بها هوليود و صدرتها للعالم أجمع لتكسب هى ارقام التوزيع و نكسب نحن عقليه مغايرة عن عقلية الكبار... عقلية لا تخاف المواجهة ... بل تعتبرها مغامرة مرحه حتما ستكون نهايها سعيدة.

ربما يكون إنفصال الشباب عن قراءة الادب العربى المحتفى به و إغترابة عن الواقع و معايشتة لعالم الحلم هو مادفعة فى لحظه الثورة الى النزول و تحقيق حلمة بيده بدلا من الاعتماد على أحلام مؤجله لأجيال فقدت القدرة على الحلم.

إذا كنتم جادين فى إجراء حوار فعلا بين جيلكم و جيل الشباب و هو ما أتصوره فعليكم إلا تحاولوا فهم الشباب فهم أنفسهم لا يفهمون أنفسهم ... و لكن عليكم بأستدعاء الطفل فى داخلكم ... لا تاخافوا من الحلم تحت ضغط الواقعية ... إنبهروا بجمال العالم من حولكم و كأنكم ترونه لأول مرة هكذا يراه الاطفال ... تعلموا من الأطفال فهم الأقدر على فهم حقيقة الحياة ولا تخافوا من تجربه الجديد ... لسبب ما يمتلك الأطفال شجاعة لا حدود لها و يفقدونها على طريق العمر ... أعتقد انه حان الاوان لأستعادتها، لكى تدرك كيف يفكر الشاب حاول ان تفكر كطفل و ساعتها فقط ستستطيع ان تستمتع بحياتك و تفهم الشباب.